منتديات نور الشيعه
يا هلا وغلا بل الجميع

الحصار في الاهوار - - - العراق عام ١٩٩٥ م

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الحصار في الاهوار - - - العراق عام ١٩٩٥ م

مُساهمة من طرف خادم الحسين في الإثنين ديسمبر 04, 2017 4:46 am





شوال الفقر الرهيب


العراق عام ١٩٩٥ م


الحصار في الاهوار



كنت اعمل سائقا لسيارة اجرة متهالكة من طراز قديم. وكنت حينها ملتزما بالعمل على خط القرنة - الدير.



بدأت الحكاية عندما رايت عجوزا محطمة تحمل شوالا ضخما، جائتني متوسلة بعيونها بعد ان رفض زملائي باجمعهم ان يقلوها الى حيث تريد.


سالتها عن محتوى الشوال التي فاحت منه رائحة عفنة جدا. لم تنطق وظلت عيونها محتارة بين التوسل وبين اهراق الدموع. رفضت مع ذلك ، فقد كانت الرائحة المنبعثة من الشوال لا تطاق ابدا.


لما رأت اصراري على الرفض قالت : يمة فدوة اروح لنعالك صعدني وياك.



انكسر عنادي وشعرت بعطف شديد عليها، فاركبتها ووضعت الشوال العفن فوق السيارة، وعندما نزل الجميع على الطريق بقيت هي ، التفتت عندما وصلنا الى (زور) في مناطق الاهوار المجففة: يمة تگدر توصلني جوة. رفضت بحزم فقد كانت المنطقة موحشة ووعرة. نزلت وهي منكسرة فلم احتمل حالها، فقلت لها اركبي. وانزلقت في الهور اليابس وعندما وصلنا حيث تريد كان المكان خربة قصب منفرة خرج منها ثلاث صبية عراة حفاة كانهم خرجوا من جهنم، انزلت شوالها ودفعت لي اجرتي، ولما راتني واقفا لم اتحرك. قالت :


الله وياك يمة. فقلت لها اني لن اغادر قبل ان اعرف ما في الشوال، رفضت بشدة، واصررتُ على ذلك . في النهاية حين همت بفتح الشوال تراجعت. كان الشوال يحوي بقايا من طماط عفنة وخضار صفراء وفواكه ذابلة وشاهدت امعاء خروف . ووسط ذهولي تخاطف الاطفال (الطعام) بنهم.
صدمت وشعرت ان الارض تتمايل بي.


كان الاطفال احفادها من بنتها التي ماتت حسرة على زوجها المفقود في الهور .
قالت لي انها عجزت عن الرحيل بعد ان هجر الناس الهور بعد جفافه.
لا ادري في تلك اللحظة ما الذي خلق في قلبي كل هذا الصفاء، قلت في نفسي: والله ﻷقرضن الله قرضا حسنا.
لم اكن املك الا السيارة، عدت الى المدينة ومن فوري ذهبت الى المعارض فبعتها، وعندما سالتني زوجتي عن سبب بيعي للسيارة، افهمتها انني اريد ان اشتري شيئا افضل !


في اليوم التالي ذهبت للسوق واشتريت للعجوز والصبية كل ما يحتاجون من طعام وملابس وفراش وادوات منزل، وبنيت لهم غرفة صغيرة وسيجتها.
قلت للعجوز : امي. انا بمثابة ابنك، واي شئ تحتاجيه فانا تحت امرك انتي والصغار.
بكت العجوز وهي تدعوا لي.


امضيت بضعة ايام وانا اراوغ زوجتي عن مشروعي الغامض، وعندما ضاقت بي الامور حاولت ان اذهب الى الكراج لارى زملائي الذين لم يكن يعرفوا عني الكثير .
رحبوا بي كثيرا ، لكنهم وبقلق اخبروني ان اثنين من الرجال سألوا عنك مرارا . وفيما كانوا يحدثوني اذ ظهر الرجلان، ...سألني احدهم بود : انت كريم ابو حاتم ؟ اجبت والخوف يملأ قلبي بان نعم. شعرت بالقلق ان يكونا من رجال الامن ولسبب ما جاءا لاعتقالي. قالوا : هل يمكن ان تأتي معنا، (النا شغلة ويالك) ..
وكالمشلول ركبت معهم ، او صلوني الى معرض سيارات فخمة ، ونزلا ، وقالا لي بحزم : اختر سيارة (زينة) ، ودون وعي والخوف والقلق يملأ قلبي اشرت على سيارتي هذه.


وبعد دقائق كانت مفاتحها بيدي .


وعندما طلبوا مني ان اركب بها والعقد في يدي وان اعود الى بيتي ، سالاني : من اين تعرف العجوز واليتامى، وما الذي دعاك لتبيع سيارتك، مصدر رزقك..؟
قلت لهما : ﻻ اعرفها. ولكن تقطع قلبي لما رأيتها وهي تحمل شوال العفن في لتطعم احفادها.....
غادرا بعد ان حياني دون كلمة وسط دهشتي ...


والى اليوم لا اعرف من هما وكيف سمعا بقصتي والعجوز وشوال الفقر الرهيب
.




خادم الحسين

ذكر تاريخ التسجيل : 03/12/2010

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى